أخبار

15 يُولْيُو 2019 - تحديث 17 يُولْيُو 2019

سوريا: ضغوط متزايدة على وسائل الإعلام الموالية للنظام

اعتقل النظام السوري صحفي موالٍ له في حلب، لتتسع بذلك القائمة الطويلة للصحفيين الذين يشدد النظام قبضته عليهم، حتى عندما يكونون في عداد المقربين منه.

في سوريا، حتى دعم الحكومة ورأس النظام لا يشفع للصحفيين الموالين للنظام. فقد تناقلت العديد من وسائل الإعلام السورية مؤخراً نبأ إلقاء القبض على ربيع كله وندي، مراسل قناة العالم الإيرانية الموالية للحكومة يوم الاثنين 8 يوليو/تموز في مدينة حلب. وبينما لا تزال عائلته تجهل تماماً سبب وضعه قيد الاعتقال، فإن الشيء الوحيد المؤكد هو أن اسم كلاوندي يُضاف إلى قائمة طويلة من الصحفيين المحتجزين، إذ وفقاً للمعلومات التي حصلت عليها منظمة مراسلون بلا حدود، أقدمت الاستخبارات السورية في الأشهر الـ12 الماضية على اعتقال أو تهديد ما لا يقل عن 13 من الوجوه الإعلامية المعروفة بولائها للنظام على خلفية منشورات وتقارير صحفية، علماً أن معظم التهم الموجهة في هذا الصدد تشير إلى "إضعاف نفسية الأمة" أو "الإساءة لهيبة الدولة".


 

وهم الحرية

حتى عهد قريب، كان هؤلاء الصحفيون يحظون بامتيازات عديدة، حيث قامت المخابرات بانتقائهم وسمحت لهم بدخول مناطق القتال ونقاط رحيل الأهالي المهجرين، شريطة أن يكون لهم دور رئيسي في التغطية الإعلامية المروجة للرواية الرسمية، مما أكسبهم جمهوراً واسع النطاق. وفي تصريح لموقع "عنب بلدي"، قال مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، إن هؤلاء الصحفيين حاولوا استغلال شهرتهم واتصالاتهم مع شخصيات نافذة لتسليط الضوء على قضايا متعلقة بسوء الأحوال المعيشية والفساد للتأثير في الرأي العام، بيد أن رد السلطات والأجهزة الأمنية جاء ليذكرهم بأن حدود النقد لم تتغير.


 

ويُعد رضا الباشا، مراسل قناة الميادين اللبنانية (التي عادة ما تتبع سياسة تحريرية موالية للحكومتين السورية والإيرانية)، واحداً من هؤلاء الصحفيين الذين ذاع صيتهم، حيث يُعتبر من الأسماء المؤثرة جداً على منصات التواصل الاجتماعي، وهو الذي كان أحد الوجوه البارزة في تغطية الحرب السورية. فقد رافق القوات النظامية في العديد من المعارك ضد المعارضين المسلحين. لكن الوضع انقلب رأساً على عقب يوم قرر التحدث علناً عن الفساد في مناطق سيطرت عليها قوات الأسد، ولا سيما في حلب، من خلال أشرطة فيديو بثها مباشرة عبر فيسبوك، مما عجل بطرده من الأراضي السورية في فبراير/شباط 2019.


 

"قوة الخوف في أوساط الصحفيين"

بُعيد رحيله، أكد رضا الباشا في منشور له عبر صفحته الشخصية على فيسبوك صدور مذكرة توقيف بحقه، متسائلاً "إن كنتم ستطبقون قوانين ملاحقة القتلة وتجار المخدرات واللصوص على الصحفيين فلماذا خرجتم علينا بقانون إعلام؟". لكن المنشور حُذف في وقت لاحق. ولنفس الأسباب، قرر صحفي آخر (فضَّل عدم الكشف عن هويته) التخلي عن رئاسة تحرير الجريدة التي كان يعمل فيها بعد اتفاق مع مالكها بوقف النشر تماماً. ففي مقال رأي نُشر لفترة وجيزة مُنتصف مايو/أيار قبل حجبه، أشار هذا الصحفي إلى "قوة الخوف في أوساط الصحفيين" مؤكداً أن الصحافة السورية تشهد واحدة من أصعب الفترات في تاريخها.


 

كما عبَّر صحفيون آخرون عن إحباطهم عبر صفحاتهم الشخصية على فيسبوك، قبل أن يسارعوا بدورهم إلى حذف منشوراتهم، خوفاً من انتقام المخابرات. وقال مذيع تلفزيوني شهير، كان يدير برنامجاً عن الفساد على قناة حكومية (مفضلاً عدم الكشف عن هويته رغم أنه يعيش الآن في المنفى)، إنه غادر سوريا بعدما أصبح من المستحيل العمل في ظروف جيدة تسمح بتسليط الضوء على موضوع من هذا القبيل.


 

كما يُعد التطرق لأسعار الوقود من المواضيع المحرمة عند النظام السوري: ففي 10 أبريل/نيسان 2019، تم توقيف رئيس تحرير موقع هاشتاغ سوريا، محمد هرشو، بعد نشره مقالاً على مشروع حكومي بشأن زيادة أسعار البنزين. وقد أُطلق سراحه بعد حصول المخابرات على ضمانات بشأن سحب المنشور، مع إصدار بيان اعتذار. بيد أن مصير المراسل الحربي لحزب البعث الحاكم، رئيف سلامة، كان مختلفاً تماماً، حيث زُج به في السجن من أبريل/نيسان إلى مايو/أيار 2019 بتهمة إدارة صفحة فيسبوك ناقدة لوزارة الصحة. وفي أغسطس/آب 2018، اعتُقل مراسل هاشتاج سوريا، عامر دراو، بتهمة "نشر أخبار كاذبة" قبل أن يطلق سراحه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.


 

غموض كبير يلف مصير رئيس تحرير دمشق الآن

لا تزال قضية وسام الطير هي الأكثر رمزية على الإطلاق. فقد تفاجأ الجميع لاعتقال مدير شبكة دمشق الآن في 15 ديسمبر/كانون الأول 2018، علماً أن الأمر يتعلق بأكثر وسائل الإعلام الموالية للحكومة تأثيراً على فيسبوك بأكثر من 2.7 مليون مشترك، حيث توقفت الصفحة عن العمل لعدة أيام. وبينما ظل الطير قيد الاحتجاز، أُفرج بسرعة عن زميله سونيل علي، مراسل إذاعة "شام إف إم"، الذي اعتُقل في نفس اليوم بعد خضوعه لعملية تفتيش ومصادرة معداته.



ومازال إلى اليوم يُجهل المكان حيث يوجد وسام الطير وأيضاً سبب اعتقاله، وإن كانت بعض المصادر ترى أن "ذنبه" الوحيد هو نشره تحدث عن أزمة الوقود في البلاد. ومن خلال صفحته الشخصية في فيسبوك، يقدم الكاتب والباحث السوري حسام جزماتي شرحاً آخر، مستنداً إلى "مصادر موثوقة" أكدت له أن وسام الطير كان يبيع صوره لوسائل إعلام أجنبية، وهو ما يُعتبر خيانة لأنه لا يُسمح بالعمل في مناطق معينة إلا لوسائل الإعلام التي تحظى برضا الحكومة.



هذا وقد خرجت عائلة وسام الطير، التي تقيم في جبلة (جنوب اللاذقية)، عن صمتها من خلال شريط فيديو نُشر على فيسبوك بعد وقت قصير من اعتقاله. فقد أكد شقيق الصحفي أن أجهزة المخابرات قررت إيقاف وسام عندما بدأ هذا الأخير يبدي اهتماماً متزايداً بالحديث عن الفساد في البلاد. أما والدته، فقالت وهي تبكي إنها ذهبت إلى دمشق حيث قضت عشرة أيام في محاولة الحصول على معلومات عن مصير ابنها، لكن دون جدوى. ووفقاً لتقارير غير مؤكدة، يُرجح أن يكون وسام الطير قد توفي تحت التعذيب.

 

ترسانة قانونية مشددة

من الناحية النظرية، يضمن الدستور السوري، المُعتمد سنة 2012 بعد اندلاع أولى المظاهرات، حرية الصحافة والحق في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالشأن العام، كما يحظر اعتقال الصحفيين أو استجوابهم أو إخضاعهم للتفتيش، علماً أن الحكومة لا تتوانى عن التذكير بهذه المقتضيات الدستورية، مؤكدة أنها تمنح هامش حرية كبير لوسائل الإعلام. ففي الآونة الأخيرة، أكد وزير الإعلام عماد سارة أنه لن يكون هناك بعد اليوم "خطوط حمراء" في الإعلام السوري.

لكن الواقع يثبت العكس تماماً. فمنذ اعتماد قانون بشأن إنشاء محكمة خاصة "لجرائم المعلومات والاتصالات" في مارس/آذار 2018، أصبحت المواقع الإخبارية تئن تحت وطأة رقابة مشددة.

يُذكر أن سوريا في المرتبة 174 (من أصل 180 دولة) على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي نشرته مراسلون بلا حدود في وقت سابق هذا العام.