الهند

المشهد الإعلامي

يعكس المشهد الإعلامي الهندي الواقع الذي تعيشه البلاد: فهو شاسع للغاية ويزخر بالعديد من المنابر، إذ هناك أكثر من 100 ألف صحيفة، من بينها 36 ألف أسبوعية، بالإضافة إلى 380 قناة تلفزيونية إخبارية. ومع ذلك، فإن هذه الغزارة تخفي وراءها ميولاً شديداً نحو التمركز، مع وجود قلة قليلة من الشركات الإعلامية الكبيرة موزعة في أرجاء مختلفة من البلاد، ومن أبرزها تايمز غروب وإتش تي ميديا وذي هيندو غروب ونتوورك18. هذا وتتقاسم أربع صحف يومية ثلاثة أرباع القراء باللغة الهندية، اللغة الرئيسية للبلاد. بل ويتخذ هذا التمركز قوة أكبر على المستوى المحلي فيما يتعلق بالمنشورات الصادرة باللغة العامية، مثل أناندابازار باتريكا في كلكتا (التي تُنشر باللغة البنغالية) وصحيفة لوكمات اليومية (الصادرة في بومباي باللغة الماراثية) وأيضاً مالايالا مانوراما، التي تنشر وتوزع في جنوب البلاد. وعلى نفس منوال الصحافة المكتوبة، يُلاحظ تمركز شديد في القطاع السمعي البصري، حيث تستحوذ شبكة إن دي تي في مثلاً على مجموعة من القنوات التلفزيونية، بينما تمتلك أول إينديا ريديو المملوكة للدولة 100 ٪ من المحطات الإذاعية المتخصصة في الأخبار.

السياق السياسي

من الناحية التاريخية، يُنظر إلى الصحافة الهندية على أنها تقدمية إلى حد ما، وهي التي انبثقت عن حركة إنهاء الاستعمار. لكن الأمور تغيرت بشكل جذري في منتصف العقد الماضي، الذي تزامن مع وصول ناريندرا مودي إلى السلطة وتقارب حزبه، بهاراتيا جاناتا، بشكل مذهل مع كبريات العائلات المسيطرة على الحقل الإعلامي. ويتجلى المثال الأبرز على ذلك في مجموعة ريلاينس إندستريز، المملوكة للثري موكيش أمباني، الصديق الشخصي لرئيس الوزراء وصاحب أكثر من 70 وسيلة إعلامية يتابعها ما لا يقل عن 800 مليون هندي. هذا ويعتبر رئيس الوزراء الصحافة مجرد "كيان وسيط" يلوث العلاقة المباشرة التي يسعى إلى نسجها مع مؤيديه. وفي هذا السياق، يتعرض الصحفيون الهنود الذين ينتقدون السلطة إلى حملات عنيفة تتخللها هجمات ومضايقات من قبل البهاكات، أتباع الرئيس مودي.

الإطار القانوني

إذ كان القانون الهندي يوفر الحماية للفاعلين الإعلاميين من الناحية النظرية، فإن تُهم تهديد الأمن القومي والتشهير وبث الفتنة وازدراء القضاء تُستخدم على نطاق واسع وباستمرار ضد الصحفيين الذين ينتقدون الحكومة، حيث يُنعتون بـ"أعداء الوطن". وتحت ذريعة مكافحة فيروس كورونا، شنت الحكومة وأنصارها حرباً شعواء على الصحافة، مستخدمة القضاء لمتابعة كل منبر إعلامي ينقل معلومات مختلفة عن البيانات الرسمية. كما تعتقل الشرطة الصحفيين الذين يحاولون تغطية المظاهرات الاجتماعية المناهضة للحكومة، علماً أن بعضهم يُرمون في السجون بشكل تعسفي. وتميل هذه الهجمات المتكررة تدريجياً إلى تقويض هيئات التنظيم الذاتي لوسائل الإعلام، مثل مجلس الصحافة أو مركز دراسات الوسائط الإلكترونية.

السياق الاقتصادي

يمكن وصف الصحافة الهندية مثل عملاق بأقدام من طين: فرغم الميزانيات الضخمة التي تزخر بها في بعض الأحيان، إلا أن استمرارية وسائل الإعلام تعتمد إلى حد كبير على عقود الإعلانات التي تربطها مع الحكومات المحلية والإقليمية. وفي ظل غياب خط فاصل واضح بين ما هو صحفي محض وما هو تجاري صرف، غالباً ما يتم تعديل المحتوى ليتماشى مع رؤى المستثمرين. وعلى المستوى الوطني، أدركت الحكومة المركزية أهمية استغلال هذه الثغرة لفرض خطابها على المنابر الإعلامية، وهي التي تنفق أكثر من 130 مليار روبية (5 مليارات يورو) كل عام على الإعلانات فقط في الصحافة المكتوبة والإلكترونية. وشهدت السنوات الأخيرة أيضاً ظهور وسائل إعلام يُطلق عليها "منابر غودي" (كلاب مودي)، وهي تمزج الشعبوية والدعاية المؤيدة لحزب بهاراتيا جاناتا، ومن أبرز هذه النماذج تايمز ناو وريبابليك تي في. وفي ظل كل هذه الضغوط والتأثيرات، بات الخطر يحدق بقوة على النموذج الهندي القديم للصحافة التعددية.

السياق الاجتماعي والثقافي

نادراً ما يكون المشهد الإعلامي الهندي انعكاساً للتنوع الكبير الذي يميز المجتمع، وتظل مهنة الصحافة حكراً على الرجال الهندوس من الطبقات العليا، وخاصة في الوظائف الإدارية، علماً أن هذا الوضع التمييزي يؤثر على اختيار مواضيع التقارير الصحفية وزوايا معالجتها. ففي البرامج الحوارية المسائية الكبرى، على سبيل المثال، تشكل النساء أقل من 15٪ من نسبة الضيوف المتدخلين. وفي ذروة أزمة كوفيد-19، اتهم بعض المذيعين الأقلية المسلمة بالتسبب في انتشار الفيروس. لكن في المقابل، هناك نماذج مضادة تماماً، مثل جريدة خبر لحرية، المؤلفة بالكامل من صحفيات ينحدرن من المناطق الريفية والأقليات العرقية أو الدينية.

الأمن

بمعدل يصل إلى ثلاث إلى أربع حالات قتل في صفوف الصحفيين بسبب عملهم كل عام، تُعد الهند من أخطر البلدان في العالم على حياة الفاعلين الإعلاميين، الذين يتعرضون لشتى أنواع الاعتداءات، لمختلف أشكال الاعتداءات، سواء من الشرطة أو جماعات المافيا أو الساسة الفاسدين. هذا وقد كثف القوميون الهندوس ضغوطهم على وسائل الإعلام لفرض خطاب الحكومة على المشهد الصحفي، بينما يشنون حملة ملاحقة شاملة ضد أي فكر "مناهض للقومية" في النقاش العام وسط المجتمع، حيث تُنظَم حملات مرعبة ومُنسقة تحرض على الكراهية ودعوات القتل على منصات التواصل الاجتماعي، مستهدفةً الصحفيات بشكل خاص، علماً أن هذه الحملات غالباً ما تشمل نشر بياناتهن الشخصية على الإنترنت للعلن. هذا ولا يزال الوضع في كشمير مقلقاً للغاية، إذ غالباً ما يتعرض المراسلون العاملون هناك لشتى أشكال المضايقات سواء من الشرطة أو من القوات شبه العسكرية، علماً أن البعض منهم يقبعون في السجون منذ عدة سنوات، تحت مظلة ما يُسمى بالاحتجاز "المؤقت".