الدستور الجديد: يجب ألا تفقد تونس الحريات التي اكتسبتها بشق الأنفس

على بُعد ثلاثة أيام من موعد الاستفتاء، تجدد مراسلون بلا حدود مخاوفها بشأن المسار المقلق الذي قد تسلكه تونس بعد هذا التصويت، الذي شدد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد وفرضه فرضاً.

ففي 8 يوليو/تموز، اقترح الرئيس التونسي تعديلات على الدستور دون إدخال أي تغيير جوهري على النص الذي جاء به، حيث جددتمراسلون بلا حدود آنذاك دعوتها لضمان الحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الصحافة، دون أن تتوقف هذه الحريات على الرئيس بشكلحصري، علماً أن الفصلين اللذين يطالهما التعديل يشيران إلى مقاصد الإسلام من جهة والحقوق والحريات من جهة أخرى.

يُذكر أن الفصل الخامس والخمسين، المتعلق بالحقوق والحريات، شمله تعديل ينص على إضافة عبارة "ضرورة يقتضيها نظام ديمقراطي"،ليصبح بعد التعدل كما يلي: "لا توضع قيود على الحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور إلا بمقتضى قانون ولضرورة يقتضيها نظامديمقراطي وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العمومية"، مما يعني أن التغييرات التي طرأتعلى هذه الفصل تبقى طفيفة مقارنة بالنسخة التي اقترحها الرئيس قيس سعيّد في بادئ الأمر.

كما أن فرض قيود على الحريات بشكل قد يجعل من تلك القيود قاعدةً لا استثناءً في ظل غياب الضمانات الكافية، علماً أن "الضمانات" المشار إليها في هذا الفصل تبقى فارغة من معانيها لما ينطوي عليه مشروع الدستور من انتهاكات لمبادئ الفصل بين السلطات. وتنصالوثيقة على منح الرئيس صلاحيات تشريعية واسعة بما يقوض الضوابط والتوازنات القائمة حتى الآن. كما أن إضعاف استقلالية القضاءيثير مخاوف بشأن تفسير القيود تفسيراً يخدم المصالح السياسية تحت ذريعة الضرورة الأمنية المزعومة

ففي يوم الخميس 30 يونيو حزيران، كشف الرئيس التونسي قيس سعيد عن مشروعه الخاص بالدستور الجديد الذي سيُعرض علىاستفتاء شعبي يوم 25 يوليو تموز، وهو التاريخ الذي يتزامن مع ذكرى إعلان الجمهورية التونسية. وفي حال تبني النص في صيغتهالحالية، فإن الدستور التونسي المقبل سيضع سلطات مفرطة في يد رئيس الجمهورية، بما يشكل استمراراً للعملية التي انطلقت في 30 مارس/آذار بتعليق البرلمان ثم حله لاحقاً، وهو نفس الإجراء الذي كان قد طال المجلس الأعلى للقضاء قبل ذلك بشهرين.

وفي هذا الصدد، قال خالد درارني، ممثل مراسلون بلا حدود في شمال إفريقيا، "إن تونس تسير مرة أخرى على درب سلطة الشخصالواحد الأوحد، وهذا يتعارض تماماً مع التقدم الذي أحرزه التونسيون في مجال الحريات الفردية منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011"،مؤكداً في الوقت ذاته دعوة منظمة مراسلون بلا حدود إلى "ضمان الحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الصحافة، بشكل واضح لا غبارعليه، دون أن تتوقف هذه الحريات على الرئيس بشكل حصري".

هذا وقد ساد ترقب كبير في تونس وخارجها بانتظار نشر نص مشروع تعديل الدستور التونسي، الذي جاء ليؤكد مخاوف المجتمع المدنيوأهل الصحافة على حد سواء. فإذا كان مشروع الوثيقة الدستورية ينص على حرية الصحافة والإعلام، فإن العديد من علامات الاستفهام لاتزال مطروحة بشأن بعض المواد التي يمكن أن تقوض الضمان الفعلي للحريات، ولا سيما تلك المتعلقة بالتعبير والصحافة. وفي هذا الصدد،أوضحت الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية أن "مشروع الدستور يطرح مشكلة خطيرة فيما يتعلق بالقيود المفروضة على الحقوقوالحريات، وذلك رغم إشارته إلى بعض الحقوق والحريات الجديدة، مثل حرية الفرد (الفصل 26)".

يُذكر أن النسخة التي اقترحها الرئيس قيس سعيد تجيز في فصلها الخامس والخمسين فرض قيود على الحريات بشكل قد يجعل من تلكالقيود قاعدةً لا استثناءً في ظل غياب الضمانات الكافية، علماً أن القيود المنصوص عليها تشمل مختلف الحقوق والحريات - من بينها حريةالتعبير - إلا بمقتضى قانون أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو بهدف حماية حقوق الغير، وهي ضمانة فارغة من معانيها لماينطوي عليه مشروع الدستور من انتهاكات لمبادئ الفصل بين السلطات. وتنص الوثيقة على منح الرئيس صلاحيات تشريعية واسعة بمايقوض الضوابط والتوازنات القائمة حتى الآن. كما أن إضعاف استقلالية القضاء يثير مخاوف بشأن تفسير القيود تفسيراً يخدم المصالحالسياسية تحت ذريعة الضرورة الأمنية المزعومة.

ومن الأسباب الأخرى المثيرة للقلق بشأن استقلالية الهيئات التنظيمية لقطاع الإعلام إلغاءُ الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري(HAICA)، التي ساهمت إسهاماً كبيراً في صون حرية الإعلام في القطاع.

وبعد نشر مشروع التعديل الدستوري، أكد العميد السابق لكلية الحقوق بتونس، الصادق بلعيد، الذي ترأس مع ذلك اللجنة المعنية بصياغةالنص، أن "نسخة قيس سعيّد من الدستور خطيرة وتمهد لنظام ديكتاتوري مشين".

وكانت مراسلون بلا حدود قد دعت السلطات التونسية إلى وضع احترام حرية الصحافة على قائمة أولوياتها، حيث بعثت في سبتمبر/أيلول2021 رسالة في هذا الصدد بعد تعيين نجلاء بودن رئيسة للوزراء، التي ناشدتها المنظمة بتنفيذ التزامات تونس فيما يتعلق بحرية الصحافةواستقلاليتها وتعدديتها بموجب مقتضيات الفصل الثاني من الدستور التونسي والتعهدات الدولية للبلاد.

وبينما لم يتم الوفاء بهذه الالتزامات إلى اليوم، لاحظت هيئات الصحفيين نفسها التراجع المسجل في هذا المضمار، مما يعكس التقهقرالمهول لهذا البلد في مجال حرية الإعلام، وهو ما يتأكد من خلال مشروع الدستور الذي يعتريه اللبس ويلفه الغموض. كما ساهمت الرقابةالمفروضة على البرلمان ومختلف أجهزة الدولة في تقويض الحريات عموماً، وحرية الصحافة بشكل خاص.

كما يلاحَظ تزايد مقلق في الضغوط السياسية والقضائية على الصحفيين، الذين استُدعي العديد منهم مؤخراً للمثول أمام السلطات الأمنيةوالمحاكم. ففي 15 أبريل/نيسان 2022، وُضِعت الصحفية شهرزاد عكاشة رهن الحبس الاحتياطي على خلفية تدوينات نشرتها علىفيسبوك، قبل الإفراج عنها في اليوم التالي، وهو نفس الإجراء الذي طال زميلها صلاح عطية، الذي تم وضعه رهن الاحتجاز لدى القضاءالعسكري في 12 يونيو/حزيران، وذلك على خلفية تصريح لقناة الجزيرة قال فيه إن الرئيس قيس سعيّد "طلب رسمياً من القوة العسكرية أنتتدخل ضد الاتحاد العام التونسي للشغل وتطويق مقره".

Publié le 04.07.2022