أفغانستان : أكثر من 40 % من وسائل الإعلام أغلقت أبوابها و 80 % من الصحفيات عاطلات عن العمل منذ استيلاء طالبان على السلطة

كشف تقرير صادر عن منظمة مراسلون بلا حدود مع جمعية الصحفيين المستقلين الأفغان عن حصول تغيّر جذري في المشهد الإعلامي الأفغاني منذ وصول طالبان إلى السلطة. وإجمالاً، اضطرت 231 وسيلة إعلام إلى وإغلاق أبوابه وفقدَ أكثرُ من 6400 صحفي وظائفهم منذ 15 أغسطس 2021. والصحفيون الأفغان هم الأكثر تضرراً من ذلك : فأربعة صحفيين من أصل خمسة أصبحوا لا يعملون.

إن تداعيات سيطرة طالبان على المشهد الإعلامي في أفغانستان أمر بارز يشدّ الانتباه : فوفقًا لدِراسة أنجزتها منظمة مراسلون بلا حدود مع شريكها المحلي جمعية الصحفيين المستقلين في أفغانستان، اختفت أكثر 4 من وسائل إعلام من أصل 10 من المشهد الإعلامي، وأصبح 60 % من الصحفيين والمتعاونين مع وسائل الإعلام الآن غير قادرين على العمل. وقد تأثرت النساء أكثر من الرجال بكثير : ذلك أن 84 % منهن فقدْن وظائفهُن. وقد تم إجراء هذا الاستطلاع بناءً على إحصاء لوسائل الإعلام والصحفيين النشطين قبل تولي طالبان السلطة في 15 أغسطس 2021.

 

تغيير جذري في المشهد الإعلامي الأفغاني

 

لقد أدى وصول طالبان إلى الحكم إلى تغيير المشهد الإعلامي تغييرا جذريًا: فمن أصل 543 وسيلة إعلام تم إحصاؤها في بداية الصيف، كان عدد التي لا تزال تنشط في نهاية نوفمبر2021 لا يزيد عن 312. وهذا يعني أنه في غضون ثلاثة أشهر، كانت 43 %من وسائل الإعلام الأفغانية قد غابت من المشهد.

 

 

في حين كان لدى معظم مقاطعات أفغانستان، قبل أربعة أشهر ما لا يقل عن عشر وسائل إعلام خاصة، تكاد بعض المناطق اليوم تكون خالية من وسائل إعلام محلية. ففي مقاطعة باروان الجبلية، في الشمال، لم تبق سوى 3 وسائل إعلام نشطة من أصل 10 سابقًا. أما في الغرب، في منطقة هرات، ثالث أكبر مدينة في البلاد، فلم تبق  سوى 18 وسيلة إعلام (من أصل51) قيد العمل، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 65 %. أما منطقة كابول، في الوسط، التي يتركز فيها أكبر عدد من وسائل الإعلام في البلاد، فلم تسلم من المجزرة و فقدَتْ  أكثر من واحدة من أصل اثنتين من وسائل الإعلام (51%) : فمن أصل 148 وسيلة إعلامية تم إحصاؤها قبل 15 أغسطس، لا تزال تعمل منها في نهاية عام 2021 سوى 72 .

 

تأثير مباشر في الصحفيين

 

كان لإغلاق وسائل الإعلام أبوابها أو لتراجع نشاطها  تأثير كبير في  عمل  جميع المحترفين في مجال الإعلام : فمن أصل 10.790 شخصًا  ممن كانوا يعملون في مكاتب  التحرير الأفغانية (8290 رجلًا و2490 امرأة) في بداية أغسطس، كان 4360 شخصًا فقط لا يزالون يعملون في مكاتب التحرير الأفغانية عند إجراء الدراسة (3950 رجلاً و 410 امرأة)، أو 4 من  أصل كل 10 صحفيين. كانت النساء نسبيًا، هن الأكثر تضررًا : فأكثر من 4 نساء من أصل 5 (84 %) فقدْن وظائفَهن منذ وصول طالبان، مقارنة بـصحفي واحد فقط من كل رجلين (52 %).

 

 

لم تعد ثمة أي صحفية في نحي أفغانستان كبير

 

شهدت ست مقاطعات فقدان ثلاثة أرباع الصحفيين الذكور لوظائفهم. لكن في 15 من مقاطعات البلاد البالغ عددها 34، لم تعد ثمة أي صحفية تعمل. فعلى سبيل المثال، في مقاطعة جوزجان في الشمال، التي كانت تعُدّ 19 وسيلة إعلام  تشغّل/ 112 امرأة، لا تزال 12 وسيلة إعلام  تشتغل، وما من امرأة فيها. 

 في عديد من المقاطعات، يجب على وسائل الإعلام أن  تمتثل للشّروط المحلية التي وضعتها حركة طالبان المسيطرة على تلك المناطق والتي تشمل تهميش الصحفيات. وحتى في المناطق التي كنّ فيها أكثر حضورا، مثل كابول، اختفت الصحفيات أيضًا من المشهد الإعلامي إلى حد كبير. واستأنفت عشرات منهن عملهن خلال الشهرين الماضيين (كن أقل من 100 و تجرأن على زيارة مكتب التحرير في الأسابيع التي أعقبت وصول طالبان إلى العاصمة وأمرهم النساء بالبقاء في بيوتهن). لكن حصيلة الأمر، أن من أصل 1190 صحفيًا وإعلاميًا تم إحصاؤهم في أوائل أغسطس في العاصمة ، يواصل 320 منهم فقط عمله حتى يومنا هذا،وهو ما يمثل تراجعا بنسبة 73% .

 

 

في مقاطعة ننكرهار، حيث قُتلت أربع إعلاميات محترفات  في أقل من عام، لم تبق سوى 17 امرأة في وظائفهن، من بين 65 كن لا يزلن يعملن في بداية أغسطس (-74 %). وكان التراجع أكثر حدة في إقليمي بلْخوهرات، حيث انخفض عدد الصحفيات والإعلاميات تباعا بنسبة 98 % و94 %. وقد أدى ما ساد هاتين المنطقتين في السنوات الأخيرة من استقرار نسبي إلى تطوير وسائل الإعلام وعمل المرأة. وقضى وصول طالبان إلى السلطة، في غضون أيام، على ما تم إحرازه من تقدم خلال السنوات العشرين الماضية.

 

الضغوط التي تمارسها السلطة الجديدة

 

أما في العاصمة، على غرار بقية أنحاء البلاد، فقد أصبحت ظروف عمل الصحفيين منذ وصول طالبان معقّدة على نحو خاص. فاضطُرّت وسائل الإعلام منذ ذلك الحين إلى أن تلتزم بـ"القواعد الإحدى عشرة للصحافة" الصادرة عن وزارة الإعلام والثقافة ووزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن ذلك المنشور الخطِر يفتح الباب للرقابة والاضطهاد. وفعلا، فقدْ  فقَدَ الصحفيُّون استقلاليتهم : ذلك أنهم أصبحوا مضطرين إلى إبلاغ مسؤولي وزارة الإعلام والثقافة بالموضوعات التي يرغبون في تغطيتها، وبعد الحصول على إذن  حتّى يتمكنوا من القيام بعملهم لا غير، يجب عليهم أيضا إظهارعملهم للتثبت من نتيجة تحقيقاتهم الإخبارية حتى يكون لهم الحق في البث.

 

وفي بعض المقاطعات، دفع إلزامهم باستبدال البرامج الإخبارية والموسيقى ببرامج دينية بحتة بعديد محطات الإذاعة المحلية إلى التوقف عن البث.

 

  وقد صرّح رضا معيني مسؤول مراسلون بلا حدود في إيران وأفغانستان قائلا:

" ثمة حاجة مُلحّة إلى وقف هذه الدوامة المؤدية  إلى زوال حتمي لوسائل الإعلام الأفغانية وإلى أن نجعل من احترام حريّة الصحافة مسألة ذات أولوية إن سلامة العاملين في مجال الإعلام، ومآل الصحفيات، وقانون وسائل الإعلام، والحق في الحصول على المعلومات، كلّما مسائل حاسمة يجب أن تعالجها السلطات بسرعة. فبدون صحافة حرة قادرة على فضح إخفاقات سوء الحوكمة، لا يمكن لأحد أن يدعي محاربة المجاعة والفقر والفساد وتهريب المخدرات وغيرها من الآفات التي تنخر أفغانستان والتي تحُول دون  إرساء سلام دائم في البلاد ".

 

لقد أكد المتحدث باسم الحكومة، ذبيح الله مجاهد، في حوار أجرته معه  مراسلون بلا حدود، أن إمارة أفغانستان الإسلامية تدعم "حرية وسائل الإعلام  ضمن الإطار المحدد للحفاظ على المصالح العليا للبلاد، في ظلّ الشريعة الإسلامية والإسلام "وأن الحكومة مُقرّة العزم على" مساعدة وسائل الإعلام التي تشتغل على مواصلة نشاطها ومساعدة الأخرى على إيجاد الحلول حتى تتمكن من استئناف نشاطها ".

 

وإجابة أيضا عن سؤال بشأن زيادة حوادث العنف التي كانت قوات طالبان طرفا فيها والصحفيون على أرض الميدان (حولي أربعين منذ 15 أغسطس 2021)، أقر المتحدث باسم الحكومة بمسؤولية قوات الأمن التي "لا تتصرف دوما بشكل صحيح ومهني"، مع تأكيد أنه ستُبذل جهودٌ "لمحاولة تدريبهم ولِمراقبة تلك التصرّفات". وقال إن هدف مسؤولي طالبان هو مواصلة  عقد الاجتماعات بين ممثلي وسائل الإعلام والحكومة "للتوصل إلى حلول مشتركة" للمشاكل الحالية.

 

المضاعفات الاقتصادية

 

فضلا عن القمع، يواجه أصحاب وسائل الإعلام تضييقات اقتصادية جديدة. وقد كانت عديد من وسائل الإعلام تمارس نشاطها بفضل ما كانت تحصل عليه مساعدة وطنية ودولية، توقفت عن التدفق بعد وصول طالبان إلى الحكم. وبررّ المتحدث باسم الحكومة ذبيح الله مجاهد أن "تلك المساعدات التي كان مصدرها على وجه الخصوص دولٌ لها حضور عسكري في أفغانستان وكانت لها مصلحة في ذلك، تم قطعها".

 كما عانت وسائل الإعلام بشكل خاص من انخفاض عائدات الإعلانات الإشهارية. ومثلما يوضّح ذلك صاحب محطة إذاعية  أغلقت أبوابها نهاية أكتوبر في مقاطعة ننجرهار، وفقدت 35% من وسائل إعلامها فإن "الحالة الاقتصادية  مُزرية إلى درجة أن معظم التجار، حتى وإن لم يغلقوا محلاتهم، لم يعودوا قادرين على إنفاق الأموال على الإعلانات ".

 

 وفي معرض إقراره باختفاء عديد من وسائل الإعلام من المشهد، أشار ذبيح الله مجاهد من جهته إلى "فرار المسؤولين والمديرين من البلاد"، وهو ما ساهم في "إفلاسها". فمنذ أغسطس، غادر مئات الصحفيين البلاد خوفا من أن يُنتقم منهم أو بسبب عدم قدرتهم على الاستمرار في ممارسة مهنتهم.

 

ويأسف المدير التنفيذي لجمعية الصحفيين المستقلين في أفغانستان، حجة الله مجددي لذلك قائلا : "إذا تجاوزنا مسألة الأرقام، فإن إغلاق ما يناهز نصف وسائل الإعلام في البلاد أبوابها وفقدان أكثر من 6000 وظيفة هو كارثة بالنسبة إلى حرية الصحافة. وإذا لم تساعد المؤسسات الدولية الصحفيينَ ووسائلَ الإعلام في أفغانستان، وإذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة، فإن النصف الآخر المتبقّي من الإعلام ومن الصحفيين الذين ما زالوا يعملون في ظل ظروف صعبة حقًا سيُعاني من نفس المصير".

 

عندما صدرت نسخة 2021 من جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة في أفريل الماضي، تنزّلت أفغانستان في المرتبة 122 من أصل 180 دولة.

 

المنهجية

تم جمع البيانات الواردة في هذا المنشور بين 15 نوفمبر و 8 ديسمبر 2021 من قِبل مراسلون بلا حدود وجمعية الصحفيين المستقلين الأفغان. وقد أجرت المنظمتان دراسة استقصائية لمختلف وسائل الإعلام التي كانت قائمة في كل مقاطعة  قبل 15 أغسطس 2021، تاريخ وصول طالبان إلى العاصمة كابول، وبعد 15 نوفمبر. وتم إحصاء المكاتب الإعلامية المحلية والدولية الموجودة في المقاطعة الواحدة باعتبار كلّ منها وسيل إعلام واحدة. وتم أيضًا حساب وسائل الإعلام التي تم إنشاؤها حديثا. كما تم إحصاء عدد الموظفين (الصحفيين والمتعاونين) في كل واحدة من تلك الوسائل الإعلامية، وتصنيفهم بحسب النوع الاجتماعي (بين امرأة ورجل).
Publié le 20.12.2021
Mise à jour le 21.12.2021