أخبار

22 يَنَايَرْ 2021 - تحديث 27 يَنَايَرْ 2021

مصر: حرية الصحافة في الحضيض بعد عشر سنوات على الثورة

يحتفل المصريون هذا الاثنين، 25 يناير/كانون الثاني، بالذكرى السنوية العاشرة للثورة التي أدت إلى تنحي حسني مبارك وانتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية. فمنذ الانقلاب العسكري ووصول عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في 2013، ما فتئت مراسلون بلا حدود تستنكر التصعيد القمعي الذي يطال وسائل الإعلام في البلاد وموجة الاعتقالات التي شملت ما يفوق مائة من الصحفيين.

إذا كانت ثورة 25 يناير/كانون الثاني قد حملت في طياتها الكثير من الآمال والتطلعات في 2011، فإن كل تلك الأحلام قد صارت في خبر كان، حيث لم يتبق منها سوى الأنقاض. وبينما يشكل ذلك اليوم عيداً وطنياً لمعظم المصريين احتفالاً بإسقاط نظام حسني مبارك، فإنه بات الآن يُختزل في ذكرى لا يُسمح فيها للقنوات التلفزيونية الرسمية إلا بالاحتفاء بالرئيس عبد الفتاح السيسي وقوات الشرطة وأجهزة الأمن. 


فقد أصبح التهليل بالاستقرار والأمن في البلاد هو المشهد الطاغي في وسائل الإعلام المصرية، التي باتت تعمل جاهدة في المقابل على التعتيم عن الانتقادات الموجهة إلى الرئيس الحالي، الذي وصل إلى السلطة في أعقاب انقلاب يوليو/تموز 2013 ضد محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ الجمهورية، بعد فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات، علماً أن مرور وسائل الإعلام الكبرى مرور الكرام على وفاته الغامضة ليس سوى انعكاساً لهذه السيطرة الاستبدادية على الصحافة، حيث شدد السيسي الخناق على وسائل الإعلام من خلال إعادة هيكلة شاملة للقطاع، لينحصر بذلك دور المنابر الإعلامية الكبرى في الدعاية للخطاب الرسمي الذي يجسده الرئيس. 


وفي هذا الصدد، قالت صابرين النوي، مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في مراسلون بلا حدود، "بعد عشر سنوات على الثورة المصرية، يفرض نظام عبد الفتاح السيسي قبضة من حديد على الصحفيين ووسائل الإعلام"، مضيفة أنه "لا خيار أمام الصحفيين الذين يئنون تحت وطأة القمع سوى الصمت ونقل الرواية الرسمية، وإلا فمصيرهم الاتهام بتهديد استقرار الدولة والزج بهم في السجون".


سنوات قليلة كانت كافية لتغيير المشهد الإعلامي رأساً على عقب. ففي إطار أشغال مرصد ملكية وسائل الإعلام الذي أحدثته مراسلون بلا حدود، خلصت المنظمة إلى أن ما يقرب من نصف وسائل الإعلام الأكثر شعبية في البلاد باتت خاضعة الآن لسيطرة الدولة، سواء من خلال وكالاتها الرسمية أو عبر أجهزة المخابرات. وعندما لا تكون في قبضة الدولة، فإنها تكون ملكاً لرجال أعمال مقربين من السلطة.  


الانزلاق الأمني


هذا الاستيلاء على المشهد الصحفي صاحبه تصعيد قمعي شرس. ذلك أن وسائل الإعلام المستقلة النادرة التي سلمت من قبضة مراكز النفوذ باتت تخضع للرقابة بانتظام على شبكة الإنترنت، حيث حجبت السلطات أكثر من 500 موقع إخباري، مثل موقع مدى مصر، أحد آخر المنابر الإعلامية المستقلة في البلاد، والذي داهمت القوات الأمنية مقره مؤخرًا و اعتقلت رئيسة تحريره لينا عطا الله، الفائزة بجائزة مراسلون بلا حدود لعام 2020. 


هذا وقد ارتفع عدد اعتقالات الصحفيين بشكل مهول منذ الانقلاب على محمد مرسي. وفي هذا الصدد، أحصت مراسلون بلا حدود أكثر من مائة صحفي قيد الاحتجاز أو ضحايا الاعتقال التعسفي في مصر منذ يناير/كانون الثاني 2014، علماً أن وتيرة القمع تفاقمت منذ 2017، حيث تم اعتماد قانون جديد لمكافحة الإرهاب فيما استُحدثت هيئة رقابية جديدة باسم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. ومنذ ذلك الحين، أصبح الصحفيون الناقدون مستهدفين بشكل منهجي، إذ غالباً ما يُتابَعون بتهمة "الانتماء إلى جماعة إرهابية" و"نشر أخبار كاذبة".


مُعظم هؤلاء الصحفيين يُوضعون رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة ويظلون خلف القضبان لمدة عامين أو أكثر، رغم أن القانون المصري يحدد المدة القصوى للحبس الاحتياطي في سنتين ولا يتيح المجال لتمديدها. بيد أن المحاكم تفتح قضايا جديدة لتتمكن من تجاوز هذا الحد القانوني، كما هو حال الصحفي محمود حسين، القابع في السجن دون محاكمة منذ ديسمبر/كانون الأول 2016، علماً أن "ذنبه" الوحيد هو العمل في قناة الجزيرة القطرية، التي تتهمها مصر بدعم الإخوان المسلمين وزعزعة استقرار البلاد.  


من الناحية النظرية، يكفل الدستور المصري حرية التعبير وحرية الصحافة. وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية سامح شكري في تصريح له بتاريخ 11 يناير/كانون الثاني "لا يوجد صحفي في مصر وجهت له تهم لها علاقة بحرية التعبير"، علماً أن هذا التصريح يعكس توجه السلطات التي عادة ما تتذرع بالتهديد الإرهابي وتلاحق الصحفيين بتهم ملفقة لا علاقة لها بعملهم الإعلامي. 


أحد أكبر سجون الصحفيين في العالم


في ظل وجود 32 صحفيًا خلف القضبان حاليًا، أصبحت مصر أحد أكبر سجون العالم بالنسبة للصحفيين، بعد الصين والمملكة العربية السعودية. وبينما يتعرض بعض المحتجزين في السجون المصرية للتعذيب، كما هو حال المدونة إسراء عبد الفتاح التي تُعتبر من رموز الثورة، يُحرَم آخرون من العلاج والرعاية الطبية رغم تدهور صحتهم بشكل مقلق، مثل رئيس تحرير صحيفة الشعب عامر عبد المنعم، الذي يعاني من مرض السكري، فيما لم ينج الصحفي المستقل محمد منير من إصابته بفيروس كوفيد-19 الذي ألم به في السجن... 


يُذكر أن مصر تقبع في المرتبة 166 (من أصل 180 بلداً) على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي نشرته مراسلون بلا حدود في 2020.