التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2021

Analyses

تصنيف مراسلون بلا حدود 2021: أزمة كورونا تعمق جراح الصحافة الأفريقية

سواء تعلق الأمر بالاعتداء على الصحفيين أو اعتقالهم أو تقويض دور وسائل الإعلام من خلال التضليل والقوانين السالبة للحرية وانخفاض أجور الصحفيين، فقد جاء وباء كورونا مثل المرآة التي تعكس حجم الصعوبات والتحديات الهائلة التي تواجه الصحافة في أفريقيا جنوب الصحراء، إذ باتت 23 دولة (+2 مقارنة مع 2020) من أصل 48 قابعة في المنطقة الحمراء أو السوداء على خريطة حرية الصحافة، حيث يُعتبر الوضع صعباً أو خطيراً للغاية.

لا يزال دور الصحفيين الأفارقة في ترسيخ الديمقراطية القائمة على النقاش العام المبني على الوقائع والتعددية أمراً بعيد المنال. وقد جاءت أزمة كورونا لتؤكد بالملموس هذه الحقيقة المرة. فبدلاً من أن تتيح للصحفيين ممارسة نشاطهم الإعلامي، الذي أصبح ضرورياً خلال هذه الفترة أكثر من أي وقت مضى، صعَّدت السلطات من الإجراءات الرامية إلى السيطرة على تدفق المعلومات المتعلقة بالجائحة، إذ غالباً ما تركت الباب مفتوحاً على مصراعيه لتفشي العداء وعدم الثقة في كل من يحاول نشر معلومات مستقلة، بل ويمكن القول إنها ساهمت بشكل مباشر في خلق هذا المناخ.

 

الصحافة ضحية جانبية لأزمة كورونا

بين 15 مارس/آذار و15 مايو/أيار 2020، سجلت مراسلون بلا حدود زيادة في أعداد الاعتقالات والاعتداءات على الصحفيين في أفريقيا جنوب الصحراء بثلاثة أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. فقد لجأت العديد من البلدان، بما في ذلك بعض أكثر الديمقراطيات تقدماً في القارة، إلى القوة والقانون لمنع الصحفيين من أداء عملهم. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية (149، +1)، أصيب صحفي بكسر في ساقه أثناء تغطية عملية تنفيذ إجراءات الحجر الصحي، بينما أطلقت الشرطة الرصاص المطاطي على مراسلة في جنوب أفريقيا (32، -1)، في حين سُجن مدير موقع تلفزيوني لمدة 11 شهراً في رواندا (156، -1)، قبل إطلاق سراحه في مارس/آذار الماضي. وجاء هذا التزايد في وتيرة الانتهاكات ليذكرنا بأن الصحفيين الأفارقة ما زال يُنظر إليهم في كثير من الأحيان على أنهم أعداء يجب قمعهم أو وضعهم تحت السيطرة بدلاً من اعتبارهم حلفاء في مواجهة التحديات والأزمات المعاصرة. وتفسر هذه الزيادة الملحوظة في الاعتداءات سبب التقهقر في مؤشر الانتهاكات بنسبة 13٪ مقارنة بالعام الماضي. وبذلك تظل أفريقيا، في عام 2021 أيضاً، القارة الأكثر عنفاً بالنسبة للصحفيين وفقاً للمنهجية التي تعتمدها مراسلون بلا حدود في إعداد التصنيف العالمي لحرية الصحافة.

كما لا تزال الصحافة الاستقصائية تحتل مكانة هامشية، حيث لا تحظى سوى باعتراف محدود للغاية. ذلك أن الكشف عن معلومات حساسة حول إدارة الوباء يمكن أن يؤدي إلى السجن، كما كان الحال في زيمبابوي (130، -4) حيث اعتقل الصحفي الاستقصائي هوبويل تشينونو، الذي كشف عن فضيحة متعلقة باختلاس المال العام في صفقة شراء معدات مخصصة لمكافحة كورونا. وفي جزر القمر (84، -9)، تم تهديد الصحفي أنجوزا أبوهير بمتابعته قضائياً بعد أن أظهر أن سبب خلو البلاد من أية إصابات بالفيروس يرجع إلى عدم تحليل العينات التي أُخذت.

وبشكل عام، ساهم الوباء في تقويض استقلالية الصحفيين أكثر فأكثر، مع التأثير سلباً في نظرة المجتمعات للحقائق المبنية على الوقائع. ففي تنزانيا (124)، أصبح من شبه المستحيل تغطية تبعات الأزمة الصحية أمام إنكار السلطات للواقع (انظر الإطار). فقد رفضت سلطات البلاد طلب اللقاحات، شأنها في ذلك شأن نظيرتها في بوروندي (147، +13)، التي توفي رئيسها بيير نكونرينزيزا بعد أسابيع قليلة من إصابة زوجته بكوفيد-19. هذا وقد أقدمت العديد من بلدان القارة، مثل جنوب أفريقيا وبوتسوانا (38، +1) وإيسواتيني (141) على تجريم نشر "معلومات كاذبة" تتعلق بوباء كورونا، وذلك من خلال فرض عقوبة السجن على الصحفيين في هذه الحالات.

 

تنزانيا (124)

تعتيم إعلامي تام عن الوباء

هل توفي جون ماغوفولي نتيجة إصابته بفيروس كورونا، كما ورد في عدد من التقارير الإعلامية بمنطقة شرق أفريقيا؟ ربما يكون الرئيس التنزاني قد دفع ثمناً باهظاً لإنكاره للواقع، وهو الذي أكد أحياناً أن هذا الفيروس "مؤامرة غربية"، بينما تباهى أحياناً أخرى بأن بلاده نجحت في التخلص من الوباء عن طريق "الصلاة"، قبل أن يفارق الحياة فجأة في مارس/آذار. وباعتباره عدواً شرساً لحرية الصحافة منذ وصوله إلى السلطة في عام 2015، طبق ماغوفولي على الوباء نفس الأساليب القمعية التي كان يلجأ إليها في محاولة تكميم الأصوات التي تتطرق إلى بقية القضايا الحساسة، حيث لم يكن يتوانى عن فرض تعتيم إعلامي تام. فمنذ أبريل/نيسان 2020، لم تفصح السلطات التنزانية عن أي بيانات متعلقة بالحالة الوبائية في البلاد، حيث طالت التهديدات والاعتقالات وإجراءات التعليق كل من حاول تغطية الأزمة الصحية، من صحفيين ووسائل إعلام. كما أصبح الإطار التشريعي يحظر تحت طائلة السجن نشر معلومات "تتعلق بمرض مميت" أو بيانات تبثها وسائل الإعلام الأجنبية. 

 

 

عندما يُعتبر الصحفيون مجرمون إلكترونيون

أمام معضلة المعلومات التضليلية، وجدت أفريقيا نفسها تحت وطأة الانعدام الصارخ للشفافية والفاعلية في السياسات التي تعتمدها المنصات الرئيسية في شبكات التواصل الاجتماعي. والأسوأ من ذلك، أن هذه الأخيرة ثبت ضلوعها أحياناً في فرض الرقابة على الصحفيين، كما كان الحال عندما علق تويتر حساب واحدة من أشهر الصحف الأسبوعية في جنوب أفريقيا بعد تسليط الضوء على الموقف الذي اتخذه بيل جيتس بشأن الملكية الفكرية للقاحات، كما طال الحجب حسابات أربعة صحفيين على الأقل بسبب استنكارهم لقرار منصة التواصل الاجتماعي القاضي بتعليق حساب الجريدة. فمن خلال تنصيب نفسها كهيئة تنظيمية للنشاط الإعلامي دون امتلاك الشرعية لذلك وفي غياب أية ضمانات ديمقراطية، أصبحت هذه المنصات تُعَرِّض حرية الإعلام لأخطار حقيقية.

كما أن تعامل الحكومات الأفريقية مع هذه التحديات لم يقدِّم مزيداً من الضمانات، بل على العكس من ذلك تماماً. فالنصوص الجديدة التي تم تبنيها على وجه السرعة في السنوات الأخيرة تحت ذريعة مكافحة الوباء المعلوماتي ليست سوى سلاح يمكن استخدامه لإسكات الصحفيين. ففي بنين (114، -1)، بات إصلاح القانون الرقمي ضرورة قصوى بعد أن حُكم على الصحفي الاستقصائي إغناس سوسو بالسجن ستة أشهر لنشره على تويتر تصريحاً كان قد صدر بالفعل عن المدعي العام. وبينما أدى القانون الجديد الخاص بجرائم الإنترنت في النيجر (59، -2) إلى اعتقال أحد المدونين، يدخل قانون الصحافة في السنغال (49، -2) حيز التنفيذ تدريجياً، علماً أن الصيغة الحالية تنص على عقوبات جنائية قاسية تصل إلى السجن سنتين في قضايا التشهير. وتزداد المخاوف حيال الوضع في أفريقيا، حيث لم تستجب أية دولة من دول القارة للتوصيات التي قدمتها مراسلون بلا حدود في 2020 والداعية إلى إسقاط عقوبة الحبس على جُنح الصحافة. وعلى وجه التحديد، تمثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال (161، +2) وحدهما 25٪ من حالات الاحتجاز التعسفي في حق الصحفيين التي وثقتها منظمتنا خلال عام 2020 في أفريقيا جنوب الصحراء.

خيبات الأمل تتوالى رغم التغييرات في هرم السلطة

بالإضافة إلى عدم إحراز أي تقدم في الإصلاحات القانونية التي طال انتظارها في كل من غامبيا (المرتبة 85، +2) وزيمبابوي والسودان (المرتبة 159) وأنغولا (103، +3) وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية كذلك، تعيش بعض بلدان القارة أيضاً على وقع سيناريوهات مقلقة، وخاصة تلك الدول التي شهدت مؤخراً تحولات في هرم السلطة أو سقوط حكام مستبدين بعد سنوات طويلة في سدة الحكم، وهم الذين عُرفوا بعدائهم وشراستهم ضد وسائل الإعلام. وفي هذا الصدد، تراجعت إثيوبيا (101، -2) لأول مرة في الترتيب منذ وصول أبي أحمد إلى السلطة في عام 2018. فبينما عززت السلطات ترسانتها التواصلية بإطلاق مبادرتها الخاصة بالتحقق من صحة المعلومات، مُنع الصحفيون مراراً وتكراراً من الوصول إلى مناطق النزاعات التي تهز البلاد، حيث هُدد بعضهم، بينما طال الاعتقال البعض الآخر.

هذا وتظل الصحافة نشاطاً محفوفاً بالمخاطر في القارة الأفريقية، خاصة خلال فترة الانتخابات أو في سياق الاحتجاجات الشعبية. ففي أوغندا (125)، تزامن انتخاب يويري موسيفيني لولاية جديدة، بعد 35 عاماً في السلطة، مع تصاعد هائل في وتيرة الانتهاكات المرتكبة ضد الصحفيين. وفي الكونغو (118)، اعتُقل صحفي بشكل تعسفي خلال العملية الانتخابية التي أفضت إلى فوز دينيس ساسو نغيسو بولاية رابعة على التوالي. وفي غرب أفريقيا، أضحت نيجيريا (120، -5) من أخطر بلدان المنطقة، حيث قُتل ثلاثة صحفيين أثناء تغطية مظاهرات احتجاجية منذ عام 2019، علماً أن تلك الجرائم مرت أمام إفلات تام من العقاب. كما لم يُكشف بعد مصير الصحفيين الـ11 المعتقلين في إريتريا (180، -2)، التي ما زالت تتذيل جدول الترتيب، بعد مرور 20 عاماً على موجة القمع الكبيرة التي أجهزت على وسائل الإعلام المستقلة جملة وتفصيلاً، بينما أودت بالصحفيين إلى السجن أو المنفى.