التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2020

Analyses

تصنيف مراسلون بلا حدود 2019: أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، تراجع عام وبصيص أمل

رغم التقدّم الذي لم نتعوده على مستوى الدول، ظلّت منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى قبل الأخيرة في التصنيف العالمي. وما زالت موسكو وأنقرة تقدّم الأمثلة السيئة، فأسوأ طغاة المنطقة يتمادون، ولكن تقدّم بعض الدول يؤكد أنّ الأسوأ لم يحدث بعد.

Читать на русском / Read in Russian

إذا كان تصنيف 2019 قد تغيّر أكثر من العادة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، فإنّ الأمر لا يخص روسيا وتركيا: فهذين القطبين الوازنين في الساحة الدولية ما زالا مخبرين للقمع. في تركيا (المرتبة 157)، وبعد شراء أكبر مجمع صحفي من قبل شركة مقربة من النظام، واصل النظام تضييقه على آخر المؤسسات التي تنتقده. وهي تمثل أكبر سجن للصحفيين، ولا يزال الاعتقال الاحتياطي آليا ويمكن أن تصل الأحكام إلى السجن المؤبد. وقد تم اتهام ممثل مراسلون بلا حدود إيرول أندرأوغلو بـ "الدعاية للإرهاب" بسبب دفاعه عن جريدة كردية. ولم تكتف أنقرة بصنصرة آلاف المقالات وسجن نشطاء الإنترنت، أحيانا بسبب "إعجاب" بمنشور، فإنها تريد السيطرة على خدمات الفيديوهات على الإنترنت.

الفساد: تحقيقات خطرة جدا

تركيا البلد الوحيد في العالم الذي تلاحق فيه صحفية بسبب تحقيقات "وثائق بنما": صدر حكم ابتدائي  ضدّ بولين أنكر بـ13 شهرا سجنا وغرامة مالية كبيرة، وهذا دليل كبير على اضطهاد الصحفيين الاستقصائيين الذين تعتبرهم أنقرة "مخربين" أو "لا وطنيين". ويُعتبر الفساد، بدرجة أساسية، موضوعا ممنوعا منذ أن هزّت فضيحة حكومة رجب طيب أردوغان في 2013.

وتعتبر الصحافة الاستقصائية الدابة السوداء لمعظم بلدان الاتحاد السوفييتي سابقا، حيث يعتبر الفساد مشكلا رئيسيا. وأغلب الصحفيين المسجونين في روسيا وأذربيجان غطوا هذا الموضوع الخطر. وقد زُج بالصحفي السابق خيروللو ميرسادوف في السجن في طاجكستان بعد اتهام مسؤولين ساميين بالاختلاس، وتمت مداهمة غرفتي أخبار. وعلى خلفية تحقيقات شبيهة تم وضع صحفيين أوكرانيين تحت الرقابة أو إجبارهم على التعاون مع السلطات في تعدّ على سرية المصادر.

حجب الإنترنت ليس خطا أحمر

فقدت روسيا (149) مرتبة، وهي التي تنتمي إلى منطقة في التصنيف كل رتبة فيها ثمينة: كل مؤشر انتهاك هام ضدّ وسائل الإعلام المستقلة. وهي التي تعرف قوانين قمعية وإيقافات واقتحامات عشوائية وإفلاتا من العقاب وعنفا بوليسيا... ويبدأ فلاديمير بوتين عهدته الرابعة تحت شعار حماية المستضعفين. وفي سعيها لحجب مواقع الرسائل المشفرة بداعي الأضرار الجانبية، تسعى موسكو إلى التقدّم في اتجاه هدفها بإقرار "إنترنت ذات سيادة". وفي انتظار تجاوز العقبات التقنية لهذا الهدف، يواصل الكرملين سيطرته على الإنترنت -التي تمثل مصدر المعلومات الرئيسي للشباب الذي يبتعد بشكل متزايد عن الدعاية التلفزيونية- بصنصرة محركات البحث وتعطيل وسائل تفادي الرقابة وإجبار المنصات على التعامل مع وكالة الأمن القومي.

وإذا كانت موسكو قد أصّلت الرقابة على الإنترنت فإنه أمر مشترك، فبالنسبة للأنظمة القمعية في المنطقة فإنّ حجب المواقع الناقدة أصبح الأدنى. وفي سياق ردّة دولية، لا تتردّد السلطات الطاجيكية والكازاخية أو الأنغوشية في القطع المؤقت للإنترنت المحمول وشبكات التواصل الاجتماعي أو خدمات المراسلات  للتصدي للمظاهرات والحد من تغطيتها الإعلامية.

التحولات السياسية تؤثر سلبا على حرية الصحافة

في جهة كلّ ما فيها متجمّد، التغيرات الكبرى نادرة جدا خاصة في الأعلى. وعلى خارطة حرية الصحافة، تغادر أوزباكستان (160+5) المنطقة "السوداء" التي تشير إلى أسوأ الوضعيات في العالم. فالجليد الذي ذاب بعد وفاة الدكتاتور إسلام كريموف في 2016 تأكّد: تمّ تحرير آخر الصحفيين المسجونين، وبدأت بعض وسائل الإعلام في تغطية مواضيع حساسة. ولكن الأمر يتطلب مجهودا كبيرا لتجاوز الرقابة والرقابة الذاتية اللتين تحضران بقوة منذ زمن بعيد.

تقدّم آخر ملفت لأرمينيا (61+19) وقيرغيستان  (83+15) اللتان تقدمتا رغم أنّهما تقعان في منطقة متقلبة من التصنيف. وقد تمكّنت "الثورة المخملية"، التي دعمتها وسائل الإعلام وشبكات التواصل، من الحدّ من هيمنة السلطة على وسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية. وقد تخلى الرئيس القيرغسي السابق ألمزبيك أتامبايي وخلفه على طلب التعويضات الخيالية من الصحفيين المُنتقدين، لتُطوى صفحة فترة نيابية أثقلت الصحفييين. وفي غياب إصلاحات دائمة، يبقى الصحفيون رهينة موازين القوى.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019، تعزّزت التجاذبات في أوكرانيا (102-1) ومالدوفيا (91-10) وساء مناخ عمل الصحفيين مقابل تصاعد التلاعب بالرأي العام وهيمنة الأوليغارشية على كبرى وسائل الإعلام. وهذا ما يفسر بوضوح تأخر هذين البلدين في التصنيف.

الأخيرة في العالم: أداء مُحزن لتركمانستان

قرابة نصف بلدان المنطقة تقع حول أو بعد المرتبة 150 من التصنيف، والوضع يواصل التراجع بالنسبة لآخر المُصنفين. وقد حلّت تركمانستان (180-2) في المرتبة الأخيرة بعد كوريا الشمالية وأريتريا: إن هذا الأداء المحزن هو نتيجة سنوات عديدة من التشدّد المتواصل لاحقت خلالها السلطات دون هوادة آخر المراسلين السريين لوسائل الإعلام التي لجأت إلى خارج البلاد.

وتقترب طاجيكستان (161-12) تدريجيا من المنطقة "السوداء". وقد اضطرت أغلب وسائل الإعلام المستقلة إلى الاستقالة أو اللجوء، وتناضل ما تبقت ضدّ حظر مواقعها الإلكترونية والضغوطات المستمرة التي تدفع إلى الرقابة الذاتية. وبمقابل ذوبان الجليد الأوزبكي، جعل هذا الانحراف من طاجيكستان البلد الثاني سيئ الترتيب في آسيا الوسطى.

في الضفة الأخرى من بحر القزوين، تواصل أذربيجان (166-3) ملاحقة آخر الأصوات الناقدة. ويشتدّ القمع أيضا في بيلاروسيا (153) بالضغط المالي على المراسلين في المهجر، إضافة إلى حظر مواقع الأخبار المهمّة وترهيب الجرائد المستقلة التي لم تستهدف بعدُ، إضافة إلى تشديد القوانين. ولا يمكن تفسير التقدّم غير المنطقي لهذا البلد في التصنيف إلا بسبب ارتفاع عدد الاعتقالات في 2017 وبتدهور وضع الإعلام في بقية البلدان.