التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2019

Analyses

التصنيف العالمي لمراسلون بلا حدود 2019: حرية الصحافة زمن التحولات الكُبرى في أفريقيا جنوب الصحراء

لم تُستثن أفريقيا جنوب الصحراء من التراجع الدولي لحرية الصحافة. وقد ساهمت عوامل عدّة في إضعاف إمكانية إنتاج إعلام حرّ ومستقل وجيّد في قارة عرفت تطوّرات مهمّة سنة 2018، وتتمثل هذه العوامل في كراهية الصحفيين والهجمات على الصحفيين الاستقصائيين والرقابة خاصة على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وكذلك الضغوطات الاقتصادية والقضائية.

وتعتبر الوضعيات متناقضة كثيرًا ما بين ناميبيا (23) التي حصلت على المرتبة الأولى في أفريقيا وكذلك بوركينا فاسو (36) أو السنغال (49) واللتان تتمتعان بمناخ إعلامي من بين الأكثر تعددية، من ناحية، والنقاط السوداء للإعلام، من ناحية أخرى،  وهي إريتريا (178) وجيبوتي (173) حيث لا يُسمح لأي وسيلة إعلام مستقلة بالعمل. وكما في سنة 2017، فإنّ 22 بلدًا من بين 48 مصنفة في المنطقة الحمراء (وضع صعب) أو المنطقة السوداء (وضعية خطيرة) هي من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.

تطورات مهمة، تراجعات مؤلمة

استقرت أثيوبيا (110) طويلًا في نهاية الترتيب، وحققت قفزة مهمة بـ 40 مرتبة بعد التغيير في نظام الحكم. وقد أُطلق سراح الصحفيين والمدونين وأوقِف حظر مئات المواقع الإلكترونية، وبدأ العمل على إصلاح الإطار القانوني الذي يعتبر حاليًا قامعًا للصحفيين... فهذه الإجراءات لصالح حرية الإعلام، التي اتخذها الوزير الأول أبي أحمد كانت عاجلة وتؤشر على التغيير. ولأول مرة منذ 10 سنوات، وإلى نهاية 2018، لا يوجد أي صحفي في السجن في هذا البلد.

وقد تقدّمت غامبيا (92) 30 مرتبة وأكّدت التغيرات المهمّة منذ رحيل الديكتاتور يحيى جامع، وبُعثت وسائل إعلام جديدة وعاد صحفيون من المهجر واعتبر القذف فعلًا غير دستوري.

وعرفت أنغولا (109) تحولًا في نظام الحكم سنة 2017 أكثر بطئًا. واعترف القضاء بحق الإعلام بعد أن أُفرج عن صحفيين كانا محلّ متابعة من طرف وكيل جمهورية سابق. لكن التكلفة الباهظة لتأشيرات الاستثمار وغياب الإرادة السياسية لفتح المجال السمعي البصري لمشغلين جدد يعوق التعددية الإعلامية ويمنع البلد من التقدّم بشكل أسرع في التصنيف. وللأسف فإنّ التغير في النظام ليس بالضرورة مؤشرًا على التقدّم. وفي زيمبابوي (127-1)، حيث خلف إمرسون منانغاغوا سلفه روبير موغابي في رئاسة الجمهورية، تحافظ الإدارة الأمنية على عادات سيئة وسجلت مراسلون بلا حدود العديد من الاعتداءات العنيفة ضدّ الصحفيين .

في تنزانيا (118 -25) رافقت تغيير الرئيس في 2015 هجمات غير مسبوقة ضدّ الصحافة، فواصل البلد تراجعه المؤسف في 2018. ويمضي جون ماغوفيلي، الملقب بـ "البلدوزر" على خطى صيادي حرية الصحافة. فتقع مهاجمة الصحفيين دون عقاب، ولم يفتح أي تحقيق جدي من قبل السلطات في أمر اختفاء الصحفي أزوري غواندا منذ 2017. وبعد عام، يتم منع مدافعين عن حرية الصحافة من مغادرة البلاد لأنهما حققا في هذا الاختفاء.

وتواصل موريتانيا (94-22) تراجعها في التصنيف. وقد أُطلِق سراح المدوّن والمدافع عن حقوق الإنسان محمد الشيخ ولد محمد مخيتير، الذي حُكم عليه في الأصل بالإعدام بتهمة الردة في 2014، وصدر الحكم بالسجن سنتين. ورغم إطلاق سراحه قبل عام ونصف فإنّه محتجز من قبل السلطات في مكان مجهول، بداعي أمنه، حسب الموقف الرسمي. وتعود هذه المصاعب إلى مقال يدين فيه استعمال الدين لتبرير الاستعباد، وهي ممارسة مجرمة قانونيًا ولكنها موجودة عمليًا. وهذا موضوع ممنوع، تسبب للسنة الثانية على التوالي طرد مصور صحفي أجنبي، مهتم بالمسألة، من موريتانيا سنة 2018.

ومثلما الأمر سنة 2017، لا زالت الصومال (164) البلد الأفريقي الذي قتل فيه أكبر عدد من الصحفيين. حيث ذهب ثلاثة صحفيين محترفين ضحية إرهابيين من شباب المجاهدين وقوات الأمن. وتشارك الصومال جمهورية أفريقيا الوسطى (145) هذا التراجع في الترتيب حيث فقدت الثانية 33 مرتبة بعد مقتل 3 صحفيين استقصائيين روس كانوا يحققون في مسألة تواجد مرتزقة في هذا البلد.

Le journalisme d’investigation traqué

محاصرة الصحافة الاستقصائية

يعتبر التحقيق الصحفي خطرًا جدًا في أفريقيا جنوب الصحراء. وبعيدًا عن هول الحرب الأهلية التي تعصف بوسط أفريقيا حيث يكون الصحفيون معرضون للخطر بشكل نهائي، فإن غانا (27)، التي كانت على رأس البلدان الأفريقية في نُسخة 2018 قد خسرت مركزها حيث لم تتمكّن من حماية مجموعة من الصحفيين الاستقصائيين المهدّدين خاصة من قبل زعيم الأغلبية البرلمانية، وذلك بعد بث تحقيق حول الفساد في كرة القدم الغانية. وقد عُنف أحد أفراد الفريق في الطريق العام سنة 2019.

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية (154)، سجلت مراسلون بلا حدود أكبر عدد من الانتهاكات سنة 2018، اضطر مخرج ومصوّر إلى الهروب من مسكنيهما تجنبًا لملاحقيهما على خلفية بثّ تحقيق حول مصادرة أراض من قبل الرئيس السابق جوزيف كابيلا. ويجب على خلفه فليكس تشيسكيدي، المنتخب سنة 2019، أن يعمل على حماية الصحفيين ويعطي إصلاح الإطار التشريعي -الذي يعاقب مخالفات الصحافة بعقوبات سجنية- الأولوية إذا ما أراد أن يكون الإعلام بالفعل "سلطة رابعة حقيقية" في البلاد كما سبق أن وعد في خطاب تنصيبه.

المخالفات الصحفية مُجرمة في ليبيريا (93-4) وتلاحق السلطات جريدة Front Page Africa التي تنشر تحقيقات مهمة في البلاد، والتي حُظرت في أفريل، وتم تهديد مؤسسها بالسجن من قبل وزير، نهاية العام بعد أن كشفت العديد من ملفات الفساد التي تورط الحكومة.

وفي نيجيريا (103 -4) تم التحقيق مع صحفي من جريدة Premium Timesلأيام عديدة لمعرفة مصادره.

في موزمبيق (103 -4) أعلن محافظ منطقة بالشمال الشرقي، استهدفها تمرد للإسلامين، أنه لا يُسمح للصحفيين بتغطية الهجمات العنيفة التي تعصف بالمنطقة، وقد وُضع هذا القرار قيد التنفيذ في الحال. وقد أوقفت صحفية استقصائية معروفة في ديسمبر قبل إطلاق سراحها، وما زال صحفي محلي قيد الإيقاف منذ عام.

قيد شديد على الانتخابات

صحفيون موقوفون وتشويش على شبكات التواصل الاجتماعي وحجب للإنترنت: كلها مساع للتضييق على الإعلام في سياق الانتخابات الأخيرة في أفريقيا. ففي الكاميرون (131 -2) اعتقل مامادوفامولكي، الرئيس السابق للتلفزيون العمومي الكاميروني CRTVتعسفيًا منذ أكثر من سنتين ونصف، وقد رافق التجديد لبول بايا بمدة نيابية سابعة الكثير من مظاهر ترهيب الصحفيين والاعتداءات والإيقافات، وكثيرًا ما وصفوا بالمعارضين. وفي الكونغو الديمقراطية تم سحب اعتماد مراسلة راديو فرنسا الدولي RFI وهو وسيلة إعلام مسموعة كثيرًا في البلد كما سحبت إمكانية بث موجات هذه الإذاعة، وحرم الكونغوليون من الإنترنت أثناء الانتخابات الرئاسية.

ويبقى تعليق عمل وسائل إعلام، خاصة الدولية، سلاحًا واسع الاستعمال لمنع بث المعلومات النقدية وحوارات الرأي. وقد مُنعت إذاعتان أجنبيتان (BBC وVOA) في بورندي (159) بداية 2019 بعد أن تمّ تعليق نشاطيهما ستة أشهر خلال الاستفتاء الدستوري. كما أُغلقت إذاعة محليّة بشكل غير قانوني من طرف محافظ باماكو في الفترة ما بين دورتي الانتخابات الرئاسية في مالي (112).

.

وتغمر السودان (175) مظاهرات غير مسبوقة ضد النظام القائم منذ 30 سنة، انتظمت منذ نهاية 2018 للمطالبة برحيل الرئيس عمر البشير وتنظيم انتخابات. وقد أحصت مراسلون بلا حدود قرابة المئة حالة اعتقال ضدّ صحفيين وعشرات حالات المنع لوسائل الإعلام. كما تحجز أجهزة الأمن والاستخبارات طبعات الجرائد بعد طبعها لخنقها ماليًا.

ضغوطات اقتصادية جديدة

عنف وإيقافات وتجميد نشاط، هذا هو الثلاثي التقليدي الذي يستعمل لقمع الصحافة وأصبح اليوم مصاحبا لجملة ضغوطات اقتصادية أصبحت خانقة شيئًا فشيئًا. وقد اعتمدت تنزانيا قانونًا يفرض معدّل 900 دولار في السنة لتسجيل مدوّنة أو موقع إخباري. وهو مبلغ خيالي لا هدف منه إلا الحدّ أقصى ما يمكن من بث المعلومات على الإنترنت. وعند الجار الأوغندي (125) يشتم الرئيس يوري موسفني الصحفيين باستمرار سنة 2018، وقد اعتمد أداءً يوميًا على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الأول من نوعه في القارة. وبداعي مكافحة "النميمة" عطل هذا الإجراء مشاركة المعلومة وإنتاجها بالنسبة إلى الصحفيين والمدونين الذين يستعملون الإنترنت بشكل واسع. وقد أُعلن عن مشروع أداء شبيه في زيمبابوي (119-6). وقد تمّ تقديم هذا الأمر في وقت ما، ثم انتهت السلطات إلى الاستسلام. ولكن الضغوطات الأكبر كانت في موزمبيق حيث يعتزم النظام، سنة قبل الانتخابات العامة، فرض معاليم اعتماد مرتفعة جدا تصل إلى آلاف الدولارات من أجل إنجاز تحقيق صحفي أو للعمل كمراسل بالبلد. وإذا اعتُمد هذا الإجراء -الذي لا يزال قيد النقاش- ستحقق موزمبيق رقمًا قياسيًا لأغلى تقرير صحفي في العالم.